الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
297
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الاستفهام عن نفي الحكم عند انتفاء الصفة أو عند إثباته والظاهر ظاهر الفساد والملازمة ظاهرة فإن ما دل عليه الكلام لا يحسن السؤال عنه ألا ترى لو قيل لا تقل أف لفلان لا يحسن أن يسأل عنه أنه هل يجوز ضربه أو شتمه ويدفعه أن الاستفهام إنما يحسن مع قيام الاحتمال سواء كان اللفظ ظاهرا فيه أو كان مجملا وإنما لا يحسن مع صراحته وغاية ظهوره كما في المثال المذكور ومنها أنه لو دل على المفهوم لكان قوله أدّ زكاة السائمة والمعلوفة وأحسن إلى المحتاج والغني متهافتا متناقضا لمكان دلالة المفهوم ويدفعه ما عرفت من الفرق البين في ذلك بين النص والظاهر إذ لا مانع من الخروج عن مقتضى الظاهر بقيام القرينة على خلافه سيما إذا كان الظهور من الإطلاق بخلاف النص ومنها أن المقصود من الوصف إنما هو تميز الموصوف كما أن المقصود من الاسم تميز المسمى فكما لا يفيد تعليق الحكم على الاسم اختصاص الحكم به فكذا التعليق على الوصف وقد حكي في الأحكام الاحتجاج بذلك عن أبي عبد الله البصري والقاضي عبد الجبار ويدفعه بعد كونه قياسا في اللغة منع كون المقصود من الوصف مجرد تميز الموصوف ومع تسليمه فالفرق بين الأمرين ظاهر فإن الحاصل بالصفة تمييزه بالصفة بخلاف الاسم فإن المتميز به نفس المسمى وهو الباعث على اختلاف الفهم حيث إن تمييزه بالصفة قاض بتعليقه على الوصف وهو يومي إلى العلية فيتفرع عليه الدلالة المذكورة وأيضا فذكر الاسم العام أولا ثم تمييزه بالصفة على وجه يخص بعض أفراد ذلك المسمى يومي إلى عدم شموله لسائر أفراد ذلك المسمى وإلا لما سماه أولا على وجه الإطلاق ثم أعرض عنه إلى تمييزه بالوصف الخاص وهذا بخلاف ما إذا سمي الخاص من أول الأمر ومنها أنه لو دل على ذلك لما استحسن أن يقال في الغنم السائمة زكاة ولا زكاة في المعلوفة لكونه تكرارا لغوا نظرا إلى وفاء التقييد بالوصف بإفادة الحكم الثاني وليس كذلك قطعا ويوهنه وضوح الفرق بين دلالة المنطوق والمفهوم فكون الحكم مدلولا على وجه الظهور لا يمنع من التصريح به لتثبته في ذهن السامع ولا يعد لغوا حتى لا يستحسن ذكره سيما في مقام التأكيد ومجرد كون التأسيس أولى من التأكيد لا يثمر في المقام مع شيوعه أيضا بل قضاء بعض المقامات بالإتيان به ومنها أنه لو ثبت هناك دلالة المفهوم كما ثبت دلالة المنطوق لجاز أن يراد منه المفهوم خاصة كما أنه يجوز إرادة المنطوق وحده وليس كذلك قطعا ووهنه واضح لظهور كون دلالة المفهوم تابعة لدلالة المنطوق حاصلة بسببه فكيف يمكن حصولها من دونها بخلاف العكس ومنها أنه ليس في لغة العرب لفظ واحد يفيد المتضادين ويدل على حكمين مختلفين بالإيجاب والسلب ووهنه أوضح من جميع ما تقدم عليه لوضوح وجوده في كلام العرب كما في مفهوم الحصر وغيره مما ثبت من المفاهيم ولو بني على إنكار الجميع فأي مانع من ثبوته في المقام ونحوه بعد قيام الدليل عليه وليس مشتملا على التضاد الممتنع لوضوح اختلاف المتعلقين [ أدلة القائل بالحجية وما فيها . ] قوله لعرى تعليقه عليها عن الفائدة إلى آخره هذه الحجة هي الحجة المعروفة للنفاة وظاهرها يعطي أن القائل بثبوت المفهوم في المقام لا يقول به من جهة الوضع وإنما يقول به من جهة العقل وعدم خلو التقييد عن الفائدة إذ لو لم يستقل في مقام انتفاء الحكم بانتفاء الوصف كان التقييد لغوا ولا بد للعاقل من التحرز عنه كتكرار كلام واحد مرات عديدة زائدا على ما يطلب من التأكيد فإنه لغو يجب الاجتناب عنه إلا أنه لو أتي به لم يكن استعماله مجازا وحيث إنه جرى البناء في المخاطبات على عدم حمل كلام العقلاء على اللغو مهما أمكن كان ذلك شاهدا على إرادته انتفاء الحكم بانتفاء الوصف ولا فرق في ذلك بين كلام الحكيم وغيره من العقلاء نعم يزيد الدلالة وضوحا لو كان المتكلم حكيما ويختلف الحال فيها بحسب اختلافه في مراتب الحكمة ويمكن تقرير الدّليل المذكور على وجه يفيد الوضع بأن يقال إن التوصيف لو لم يرد به إفادة ذلك كان لغوا فينزه الواضح عن وضعه كذلك فلا بد أن يكون موضوعا للدلالة على أمر مفيد وليس ذلك إلا ما ذكر من انتفاء الحكم بانتفائه وأنت خبير بوهن هذا التقرير فإن التوصيف إنما قرر بالوضع النوعي لإفادة اتصاف موصوفه بالوصف المذكور تقول رأيت زيدا العالم وزيد العالم جاءني أو رأيت رجلا عالما ونحو ذلك وذلك فائدة معتد بها ملحوظة للواضع كافية في وضعه النوعي وحينئذ فلا بد للمستعمل من ملاحظة الفائدة عند استعماله بأن لا يكون بيان الوصف المذكور في المقام خاليا عن الفائدة فهذا أمر يرجع إلى حال المستعمل ولا ربط له بالوضع قوله إذا لم تظهر بالتخصيص فائدة سواه إلى آخره يريد بذلك أنه لما كان إرادة نفي الحكم عن غير محل الوصف من جهة التحرز عن اللغو وعدم خلو التوصيف عن الفائدة فإن ظهرت هناك فائدة أخرى كانت كافية للخلوص عن اللغو ولم يكن هناك داع إلى إرادة النفي المذكور ومجرد احتمال إرادته أيضا لا يكفي في الحمل عليه نعم لو كان موضوعا لذلك لم يكن مجرد ظهور فائدة أخرى صارفا عن معناه لإمكان اجتماع الفائدتين ففيما ذكره من خروجه إذن عن محل النزاع إشارة أيضا إلى عدم كون النزاع هنا من جهة الوضع إلا أن يدعى اختصاص الوضع بغير الصورة المفروضة وهو كما ترى قوله أن المدعى عدم وجدان صورة إلى آخره لا يخفى أن بناء الاعتراض المذكور على كون محل النزاع فيما إذا لم يظهر حصول فائدة من تلك الفوائد في المقام إذ مع ظهور حصولها يكتفي بها قطعا في الخروج عن اللغو فلا حاجة إلى اعتبار الفائدة المذكورة لأنه إذا لم يحتمل حصول فائدة سواه حتى يقال بعدم وجدان صورة لا يحتمل حصول فائدة من تلك الفوائد فكان المعترض فصّل في كلام المجيب حيث ذكر عدم انحصار الفائدة فيما ذكر وأنها كثيرة بأنه إن ظهر حصول فائدة من تلك الفوائد في المقام اكتفى بها ولا نزاع إذن في انتفاء المفهوم وأما مع عدم ظهور شيء من تلك الفوائد فالفائدة المذكورة راجحة على غيرها وإليها ينصرف الإطلاق فيتم المدعى وحينئذ فكان حق الجواب المنع من الظهور والانصراف المذكور فإن الاجتماع المذكور إنما يكون ملزوم اللغو والعراء عن الفائدة لو لم نقل بملاحظة الفائدة المذكورة وذلك إنما يلزم لو لم يحتمل فائدة من تلك الفوائد لا ما إذا لم يظهر حصول فائدة سواه لوضوح أنه مع قيام احتمال بعض منها يرتفع الحكم باللغوية فلا يتم الاحتجاج ودعوى ظهور الفائدة المذكورة بين الفوائد عند الدوران بينها مما لم يؤخذ في الاحتجاج المذكور مضافا إلى عدم قيام دليل عليه على أنه لو سلم ذلك فإنما يسلم مجرد الأظهرية في الجملة ولا يبلغ حد الدلالة بحيث يوجب صرف اللفظ إليه عرفا فأقصاه الإشعار حسب ما قدمنا وأين ذلك من المدعى ويمكن تنزيل كلام المجيب على ذلك فليس مقصوده تسليم ما ذكره